المبحث
الثاني : موجهات السياسة
الداخلية
إن
قوة التنظيم تكمن
بالدرجة الأساسية في
بنائه الداخلي ، وإنه
مهما انجز من تقدم في
مجال السياسية الخارجية
فلا يضمن الاستمرارية
والعافية مالم يكن
مؤسساً على التخطيط
العلمي والعملي وعلى
العدل والشورى والتربية
والطاعة .
ونحن في حركة الجهاد
الإسلامي الإرتري يجب أن
نعطي كياننا الداخلي
المقدمة في الاهتمام
بالعمل والارتقاء
بالعضوية إلى مستوى
الرشد والوعي ، وإيجاد
تنظيم قوي متراص بلا
عوائق من داخله ولا
اختراق من خارجه عبر
إرساء العوالم التالية
في جميع مستويات الحركة .
(1)
التربية :
إن
وجود منهج صحيح وتجمع
تنظيمي لا يكفي لإقامة
عمل إسلامي راشد ما لم
تصاحبه التربية الصحيحة
، إذ التربية هي نقطة
البداية الصحيحة في نجاح
العمل ، وصمام الأمان من
التطاحن الإداري
والتنافس بين العاملين
وتغير القلوب وظهور
الأمراض ، وإلا فإن العمل
بالتهاون فيها يؤول إلى
السقوط والإضمحلال .
وعلى الحركة أن تعير
التربية أهمية وأولوية
قصوى ، وتضع لها منهجاً
واضحاً ومحدداً وشاملاً
وتسخر لها الإمكانات
اللازمة ، وبقدر نجاحها
في مجال التربية تنجح في
مهمتها ، وتضمن
استمرارية عملها ووحدتها
الداخلية ، وتوجه جميع
طاقاتها وفعالياتها نحو
هم واحد وهدف واحد ، فيجب
على الحركة أن تربي
أفرادها على :
* تربية عقدية فكرية :
تقوم على نصوص الوحيين ،
وتلتزم منهج أهل السنة
والجماعة في فهمها ،
تربية تجلي المفاهيم
الاعتقادية وتتعهدها حتى
تصبح يقينيات راسخة لا
تتصدع لشبهة
* ولا تنحني لرغبة ولا
لرهبة .
* تربية روحية وأخلاقية
سوية : تقدر التبعات
والتحديات ، قوامها
الخشية وتقوى الله في
السر والعلن .
* تربية جماعية : ترسخ
مفهوم الوحدة وتجسدها
بين أفرادها واقعاً
باتزان واعتدال ، فلا
تغرق الفرد في بحر
الجماعة فيضمحل ويتلاشى
،ولا ترفعه عن موقعه
الطبيعي ، بل تحفظ له
مكانه وكيانه وتربطه
بإخوانه برباط مصيري قوي
.
* تربية متدرجة : تعطي كل
أحد ما يصلحه ويلائمه ،
وتعد لكل
مرحلة ما يناسبها ،وتوفر
لها احتياجاتها ولا تنصب
السقوف
وهي لم تحكم بعد بنيان
القواعد والعمد .
تربية واعية : تجعل
الأفراد على بصيرة من
أمرهم
وتعرفهم بما يحيط بهم من
المخاطر ، وما يدبر لهم
من مكائد ومؤامرات ،وكيف
ينبغي التصرف تجاهها ؟ .
تربية عالية : تعلق
النفوس بمعالي الأمور
وترفعها عن سفسافها
وحظوظها ، فلا ترضى إلا
لله ولا تغضب إلا له ، ولا
توالي إلا فيه ،ولا تعادي
إلا لأجله ،وتتعلق
بالمبادئ لا بالأشخاص .
* تربية جهادية جريئة :
تغرس في النفوس الإقدام
والتضحية والاستبسال
واسترخاصها في سبيل الله
* تربية وسطية : تجعل
الفرد متزناً معتدلاً لا
يميل إلى الإفراط أو
التفريط ، وكل فساد إنما
هو نتيجة الإخلال
والخروج من حالة
الاعتدال والتوسط .
(2)
العهد والميثاق :
العهد
اتفاق رضائي يهدف إلى
التأكيد على ما اتفق عليه
من التعاون علي البر
والتقوى ، والتزام صاحبه
بالتعاون مع فريق من
الناس على ما انتصبوا
للقيام به من الدعوة
والجهاد ، وهو لا يجب
ابتداء على كل أحد ، ولا
يلزم إلا من التزم به
،وفي الحدود التي يتم
الاتفاق عليها .
وهذا (العهد ) مصدره العقد
،ونطاقه المهام التي عقد
من اجلها ،ونفوذه في حق
الذين ارتضوا به
وتعاقدوا عليه ،ولهذا
فان لهم أن يضعوا له من
الشروط والقيود ما
يشاءون ،شريطة أن لا
يخالفوا في ذلك شرطاً في
كتاب الله ،وإلا كان شرط
الله أحق وقضاؤه أوثق .
(3)
بسط الشورى :
الشورى
مبدأ أساسي من مبادئ
الإسلام في السياسية
والحكم ، وهدي نبوي ينبغي
الإلتزام به في جميع
مرافق حياتنا العامة
والخاصة .
فبالشورى نتوصل إلى
الصواب ، ونعطي الفرصة
لكل فعاليات الحركة
للإدلاء بآرائهم
وأفكارهم ومقترحاتهم ،
ونكسب أفراد الحركة
الرشد في التعبئة والرؤى
والعلم ، ونربيهم على
المشاركة والتناصح
والتناصر، ونحافظ على
وحدة الحركة ونؤمنها من
التخاصم والإنشقاق
والتفرق والإنحراف .
والشورى تكون في الأمور
التي لم يرد فيها نص عن
الله ولا عن رسوله صلى
الله عليه وسلم ، وتأخذ
أشكالاً متعددة وصيغاً
متعددة مختلفة حسب
المجالات التي تتطلب
الشورى والمختصين فيها ،
ففيما أشكل من أمور الدين
تكون منوطة بعلماء
الشريعة
وفيما يتعلق بالحرب مع
قادة الجيش وفيما يتعلق
بمصالح العمل وإدارته
تكون مع المتخصصين في
المجال الإداري ، وهكذا
حسب المجال وأهل اختصاصه
، ويكون التشاور في
الأمور والمسائل التي
يحدث فيها اختلاف وجهات
النظر .
ويجب أن تتوفر في عملية
الشورى حتى تتحقق
بصورتها الصحيحة الآتــي
:
أ/ أن تسود المداولات
الشورية الحرية التامة
والأمانة والصدق لإدلاء
أي عضو شوري برأيه دون
مؤثرات خارجية .
ب/ يجب أن ينبع الرأي من
منطلق أنه الحق ، ويكون
مدعماً
بالأدلة والشواهد التي
تؤيد صحته
جـ/ نبذ التعصب دون مبرر ،
ووجوب التنازل عن الرأي
إذا
تبين ضعفه وبطلانه عند
إجراء المداولات الشورية.
د/ إجراء مشاورات أولية
حول القضية لبلورتها
وتحري الصواب، وإعطاء
فسحة من الوقت .
هـ/ إعداد دراسة شاملة عن
حيثيات المشكلة وجوانبها
الشرعية والواقعية
واقتراح الرؤية المناسبة
لها ، لإخضاعها للمناقشة
الشورية .
ومن أهم الصفات التي يجب
توافرها في أهل الشورى :
عقل كامل ، مع تجربة
سالفة ، فإنه بكثرة
التجارب تصح الرؤية
أن يكون ذا دين وتقى ، فإن
ذلك عماد كل صلاح ، ومن
غلب عليه الدين فهو مأمون
السريرة موفق العزيمة .
أن يكون ناصحاً ودوداً ،
فإن النصح والمودة
يصدقان الفكرة ويمحصان
الرأي .
أن يكون سليم الفكر من هم
قاطع وغم شاغل .
وللقرارات التي يتوصل
إليها أهل الشورى من خلال
إعمالهم الشورى قوة
إلزامية ينبغي التقيد
والعمل بها .
وعموماً فمن خلال
الممارسة الصحيحة للشورى
مع الوعي الصحيح لها
تستطيع الحركة أن ترتفع
بأخلاقياتها وممارساتها
إلي المراتب العليا على
المستوى التنظيمي
والوحدوي .
(4)
بذل الطاعة :
معلوم
أن لا جماعة إلا بالتعاون
، لأن مصالح العباد لا
تتم إلا بذلك ، ومن
التعاون بذل الطاعة
فالطاعة سبب رئيسي في جمع
شمل الجماعة ، والحفاظ
على وحدة العمل ، وتمكين
المسئولين من أداء
واجبهم وصولاً إلى
الأهداف العليا، قال
الرسول صلي الله عليه
وسلم لمعاذ بن جبل وأبي
موسى الاشعري حيث بعثهما
إلي اليمن : ( يسرا ولا
تعسرا ، وبشرا ولا تنفرا
، وتطاوعا ولا تختلفا ...)
رواه مسلم .
والناظر في محيط العمل
الإسلامي يرى إفراطاً
وتفريطاً في مسألة
الطاعة ، فهنالك طاعة
عمياء ولو في المواقف
التي جاءت فيها النصوص
صريحة بعدم الطاعة
،وهناك عدم الاستجابة
وبذل الطاعة حتى في
الأمور التي يجب فيها
التطاوع وكلا الحالتين
مذمومتان ،والحق التوسط
والاتزان بأن تكون
الطاعة في المعروف ، وهو
كل أمر معروف غير منكر
أمر به الشرع أو عمل به في
العرف مما لا يخالف روح
الشريعة الإسلامية ،حيث
لا طاعة لمخلوق في معصية
الخالق ، هذا هو حدود
الطاعة ومعالمها في
الشرع . وليكن معلوماً
لدى المطيع والمطاع أن
بذل الطاعة ليس
للذوات ، وإنما هو للحق
والمعروف الذي يؤمر به ،
فعلى المطيع أن يعتبر
الطاعة عبادة ويسعى في
أدائها على الوجه الذي
أراده الشرع من غير إفراط
ولا تفريط ،وعلى المطاع
أن لا يستغل ذلك لأغراضه
الشخصية ، وإنما يجب أن
يوظفها لمصلحة العمل .
كما أنه ينبغي التأكيد
على أن المسائل
الاجتهادية التي تختلف
فيها وجهات النظر لا بد
من حسم هذا الخلاف في
الموقف العملي والسلوكي
، بأن يسود رأي واحد وعلى
باقي الآراء أن تطيع
عملياً مع احتفاظها
بحقها في الخلاف النظري ،
وتبقى إرادة
الجماعةواحدة وصفها
الحركي موحداً ، وإلا
فستتعرض وحدة
الجماعةلخطر يهدد
سلامتها إذا ما تعددت
وتباينت المواقف العملية
والسلوكية .
(
5 ) إشاعة النصيحة :
قال
الرسول صلى الله عليه
وسلم : ( الدين النصيحة
ثلاثاً : قلنا لمن ؟ قال :
لله ولكتابه ولرسوله
ولأئمة المسلمين وعامتهم
) متفق عليه .
فالنصيحة أدب إسلامي
عظيم وبتحققه وإشاعته
بين المسلمين في جميع
مستوياتهم تتم مراجعة
الأخطاء وتصحيحها ،
وتتحقق المصالح الكبرى
للإسلام والمسلمين ،
ويسلم العمل وتتحقق
عافيته من كثير من
الأمراض والمشكلات.
ولهذا فإن على حركة
الجهاد أن تنمي هذا الأدب
في وسطها وتشيعه بينها في
نفوس أفرادها فيما بينهم
، وبينهم وبين القيادة ،
كما يجب أن يراعي
القائمون بالنصيحة
الآداب الإسلامية عند
إسدائهم النصح وأن تمارس
في إطارها بعيداً عن
الأهواء والعواطف
حتى لا تؤدي إلي الفتنة
والفوضى ، فالناصح عليه
أن يخلص ويصدق في النصح
ويتجنب التشهير. ويتخذ
الحكمة في نصحه والمنصوح
أيضا عليه أن يستجيب
للنصيحة الصادقة وأن لا
يرفضها
(6)
إسناد المسئوليات لذوي
الكفاءة والأمانة :
إن
أمير الحركة هو المسؤول
عن مصالحها ودرء الفساد
عنها ، والأصل أن يقوم هو
باختيار معاونيه في جميع
المستويات ، ولكنه لما
كان من الصعب عليه اختيار
ذلك بنفسه وجب عليه أن
يباشر
اختيار ذوي المسؤوليات
العليا ، وان يحسن
اختيارهم ويبحث لكل
مسؤولية عن اصلح الناس
للقيام بها ، لان نجاحه
في اختيارهم
يترتب عليه نجاحه في
سياسته ، وإخفاقه في
اختيارهم يترتب عليه
فشله في سياسته ، ويفوض
معاونيه في اختيار ذوي
المسئوليات الدنيا .
وإسناد المسئوليات أمانة
يجب أن تؤدى لأهلها ، قال
تعالى : ( إن الله يأمركم
أن تؤدوا الأمانات إلى
أهلها ) النساء : 58 ، وقال
صلي الله عليه وسلم : ( إذا
ضيعت الأمانة فانتظر
الساعة ، قال : كيف
إضاعتها يا رسول الله :
قال إذا وسد الأمر إلى
غير أهله فانتظر الساعة )
رواه البخاري .
وقال أيضاً : ( من ولي من
أمر المسلمين شيئا فولى
رجلاً وهو يجد أصلح
للمسلمين منه فقد خان
الله ورسوله ) .
فيجب على كل من ولي أمراً
من أمور الحركة أن يبذل
جهده في اختيار العاملين
الأكفاء الصالحين
للمسؤوليات ، فإذا قام
ولي الأمر
باختيار الأكفاء دون
محاباة بل بإخلاص وتجرد ،
وقام معاونوه بذلك في
إسناد المسؤوليات إلى
أهلها سدد الله خطاهم
جميعاً وأعانهم على
أعمالهم ونالت الرعية
حقوقها بقدر صلاح من تولى
عليها وسعدوا بالأمن
والعدل .
وللكفاءة أسس ثلاثة
تعتبر ضرورية لكل عامل
تسند إليه مسؤولية كل
بحسب رتبته وما أسند إليه
من عمل هي :-
أ/ الأمانة : التي يؤدي
صاحبها ما أنيط به من عمل
بدون غش ولا خيانة ،وهي
تؤهله لثقة الناس فيه ،
قال تعالى : ( إنك اليوم
لدينا مكين أمين ) يوسف 54 .
ب/ العلم والخبرة :وهي
علمه بوظيفته ومراسه
فيها بحيث تكون خطواته
كلها سائرة عن علم ودراسة
مؤدية إلي الهدف الذي
وضعت له مهمته ، قال
تعالى : (إني حفيظ عليم )
يوسف : 55.
جـ/ القوة :وهي التي تمكن
صاحبها من تنفيذ عمله
واجتياز المعوقات بصبر
وجلد دائمين ، قال تعالى :
( إن خير من استأجرت القوى
الأمين ) ، وقال صلى الله
عليه وسلم : ( المؤمن
القوى خير وأحب إلى الله
من المؤمن الضعيف ) رواه
مسلم .
(7)
الحوافز والجزاءات :
إن
مقتضيات الحياة وضرورات
استقرار العمل وتنظيم
علاقات الأفراد على نحو
واضح وضمان حقوقهم يدعو
إلى العمل بسنة الثواب
والعقاب ، ويجب أن لا
تمضي مقررات الحركة
وأداء أعضائها على نحو
النصائح والإرشادات
الخالية من الثواب
والعقاب ، بل تمنح الثواب
الحسن لمن التزم
بالتوجيهات أو أدى خدمة
ممتازة ، أو قام بأعمال
وبحوث ومقترحات إيجابية
تحقق للعمل إنجازات
كبيرة ، وذلك تقديرا
لجهودهم وتشجيعا وتحفيزا
لبذل المزيد من العطاء
والإبداع .
وفي مقابل ذلك توقع
العقاب على من يرتكب
مخالفة يحصل بها ضرر محقق
على الفرد أو الجماعة ،
أو يهمل أو يرفض الامتثال
لأي توجيه أو يعيق أو
يفشل في أداء واجبه ،
وذلك حفاظا على العمل من
الإهمال والتراخي ،
ومنعا لظاهرة الفوضى ،
وردعا لمن يريد الإساءة
للعمل ، قال تعالى : ( ..
قلنا يا ذا القرنين إما
أن تعذب وإما أن تتخذ
فيهم حسنا ، قال أما من
ظلم فسوف نعذبه ثم يرد
إلى ربه فيعذبه عذابا
نكرا ، وأما من آمن وعمل
صالحا فله جزاء الحسنى
وسنقول له من أمرنا يسرا )
الكهف : 86 ـ 88 .
ولسير هذه العملية على
نهج واضح وعدل تام تضع
الحركة نظاما تتواضع على
إجرائه وتطبيقه في
ممارساتها الميدانية
تحفيزا وجزاء بصورة
عادلة.
إن إجراء الحركة نظام
الحوافز والجزاءات الخاص
بها لا يعني إعفاء الفرد
من مسئوليته أمام الله ،
بل السعي لنيل ثواب الله
عز وجل والخوف من عقابه
هو الأصل والأهم ، وهو
الذي ينبغي أن يقصده
الأفراد ــ دائما ــ في
عملهم ، حيث إن عمل
الحركة دين وعبادة يرمي
إلى نيل رضى الله عز وجل.
(
8 ) إقامة العدل :
من
القواعد التي يجب أن ترسو
عليها السياسة الداخلية
العدل فإن العدل يدعو إلى
الألفة ويبعث على الطاعة
، وبه تعمر البلاد ويصلح
العباد ، ويأمن السلطان ،
وهو ميزان الله الذي وضعه
للخلق ونصبه للحق ، فإذا
كان العدل من إحدى قواعد
الدنيا التي لا انتظام
لها إلا به ولا صلاح فيها
إلا معه ، وجب أن يبدأ
بعدل الإنسان مع الله ثم
في نفسه ثم بعدله في غيره.
فأما عد له مع الله بأن
يقوم بجميع حقوق الله
تعالى وأعظمها توحيد
الله وعدم الإشراك به ،
وأما عدله في نفسه فيكون
حملها على المصالح وكفها
عن القبائح ثم بالوقوف في
أحوالها على أعدل
الأمرين : من تجاوز أو
تقصير.
وأما عدله مع غيره فعلى
ثلاثة أقسام :
الأول : عدل الإنسان فيمن
دونه ، كالراعي في رعيته
والرئيس مع أصحابه فعدله
فيهم يكون بأربعة أشياء
باتباع الميسور فانه
أدوم وحذف المعسور فانه
أسلم وترك التسلط بالقوة
فانه اعطف على المحبة
وابتغاء الحق في السّيرة
فانه ابعث على النصرة .
الثاني : عدل الإنسان مع
من فوقه كالرعية مع
راعيها والأصحاب مع
رئيسهم ويكون بثلاثة
أشياء : بإخلاص الطاعة
وهو أجمع للشمل وبذل
النصرة وهو أدفع للوهن ،
وصدق الولاء وهو أنفى
لسوء الظن ( أطع من فوقك
يطعك من دونك ).
الثالث : عدل الإنسان مع
أكفائه ، ويكون بثلاثة
أشياء : بترك الاستطالة
فانه آلف ومجانبة
الإدلال فإنه أعطف وكف
الأذى فإنه أنصف ، وهذه
الأمور إن لم تكن في
الأكفاء أسرع فيهم تقاطع
الأعداء ففسدوا وأفسدوا .
(
9) التخطيط والبرمجة
الشاملة :
قال
الله تعالى : ( قل هذه
سبيلي أدعو إلى الله على
بصيرة أنا ومن اتبعني
وسبحان الله وما أنا من
المشركين ) يوسف /108 .
التخطيط : هو دراسة
البدائل المختلفة لأداء
عمل معين ثم الوصول إلى
أفضل البدائل الممكنة
والتي تحقق هدفاً معيناً
في وقت معين وفي حدود
الإمكانات المتاحة تحت
ظل الظروف والملابسات
القائمة ، وباختصار ( هو
الاستشراف بما سيكون
عليه المستقبل مع
الاستعداد لهذا المستقبل
) .
فالتخطيط إذن وسيلة من
وسائل بناء العمل على
الدراسات والأبحاث
العلمية، وتوظيف لمعطيات
الماضي [ المدروس ]
والحاضر [ الملموس ]
ومسبباتها ، واستشراف
لآفاق المستقبل غير
المنظور لتحقيق نتائج
محددة .
لذا فإن أي عمل لاينطلق
من تخطيط ودراسة فسوف
يبقى ذا أثر محدود
الفاعلية زماناً ومكاناً
، ولايكفي أن يكون العمل
ناجحاً في مرحلة ما من
المراحل ، ولكن المهم أن
نحافظ على ذلك النجاح
وننميه بصورة مطردة .
وإذا أردنا أن تنهض
الحركة نهضة كبيرة وتقدم
برامج أكثر فاعلية
ونماءً وتأثيراً ، فلا بد
من إيجاد جهاز مختص
يستقطب أهل العلم
والبصيرة ،والخبرة يتم
من خلاله دراسة المستقبل
وتغيراته ورسم الخطط
المناسبة وتنظيمها ،
ويجب أن تتوفر في التخطيط
الشروط التالية :
أ/ الوحدة : ونعني بها
وجود خطة واحدة للعمل
تتفرع عنها خطط فرعية
متكاملة وغير متعارضة
ب/ الاستمرار : بأن يكون
التخطيط مستمرا
ج/ المرونة : بحيث تكون
الخطة قابلة للتكيف مع
التغيرات والظروف
الخارجية .
د/ الدقة : وهي مدى مطابقة
بيانات التنبؤ بواقع
المستقبل
كما يجب أن يتبع الخطط
البرامج العملية
التفصيلية الشاملة التي
تربط العمليات المختلفة
من أجل تحقيق هدف محدد
وتحديد الأشخاص
المسؤولين عن تنفيذ
مختلف العمليات ومواعيد
الابتداء والانتهاء لكل
عملية أو خطة تقرر
تنفيذها والميزانيات
التقديرية اللازمة .
وأخيراً فإن من يعمل بدون
تخطيط وبرمجة تقنعه أقل
النتائج الحاصلة ، بخلاف
من يخطط فإنه لا يرضى إلا
بأكبر قدر من النجاح ،
كما أنه بدون تخطيط لا
توجد رقابة، لأنه ليس من
الممكن التأكيد من أن ما
تم مطابق أو غير مطابق
لما أريد تنفيذه ، وما
أريد تنفيذه غير معروف
لعدم التخطيط والبرمجة .
قال تعالى : ( أفمن يمشي
مكباً على وجهه أهدى أمن
يمشي سوياً على صراط
مستقيم ) تبارك : 22 .
(10)
التأهيل والتدريب :
إن
متطلبات العمل الجماعي
تتجدد بتجدد النشاط
وتطور الوسائل والأساليب
المستخدمة في الأعمال ،
وهذا ما يدعو الجماعة أن
تهتم بعملية التأهيل
والتدريب لأفرادها ، كل
بحسب مستواه ، لتعمل في
رفع مستواهم وتدريبهم
على طرق العمل والأنظمة
واللوائح التي تسير
عليها الجماعة ، وتدريب
المنفذين على ذلك وعلى كل
ما يحتاجونه في عملهم .
وإن عملية التدريب
والتأهيل الناجحة لأفراد
العمل والكوادر الأساسية
في كل المجالات التي
يتحرك فيها العمل تساعد
في إيجاد التصور المشترك
لدى العاملين لما تريد
الحركة أن تحققه ، وتساعد
أيضا في تنمية العمل
والأداء وتنفيذ البرامج
وتنسيق المجهود بصورة
جيدة ، وتدعم العمل
بالكفاءات الإدارية
المتعددة والمتنوعة .
ولأهمية التأهيل
والتدريب في العمل
وحوجته الدائمة له ينبغي
تخصيص جهة تتولى تدريب
المديرين وتوسيع آفاقهم
بشكل يتناسب مع
المسئوليات التي تقع على
عاتقهم ، وتساعدهم في
تطوير كفاءاتهم على جميع
المستويات.
(11)
الأسرة والمجتمع :
إن
أساس العلاقات
الاجتماعية في الأسرة
والمجتمع المسلم هو
الإسلام الذي يعرف
المجتمع والفرد بمركزه
في الحياة وعلاقته
بالكون ، والغرض الذي خلق
من أجله ، فلا يقيم بناء
المجتمع على أساس الجنس
أو القبيلة أو الإقليم
كما تفعل المجتمعات
الجاهلية .
ويعتبر الإسلام الناس
أسرة واحدة أبوهم آدم ،
وآدم من تراب ، لا فضل
لأحد على أحد إلا بالتقوى
، قال تعالى :" يا أيها
الناس إنا خلقناكم من ذكر
وأنثى وجعلناكم شعوبا
وقبائل لتعارفوا إن
أكرمكم عند الله أتقاكم
" الحجرات : 13 ، وقال
صلى الله عليه وسلم : "
ليس لأحد على أحد فضل إلا
بدين أو تقوى " رواه
أحمد ، " ليس منا من دعا
إلى عصبية ، وليس منا من
قاتل على عصبية ، وليس
منا من مات على عصبية "
رواه أبو داوود.
فالرابطة الإيمانية هي
أعظم الروابط بين
المسلمين ، ولا يعني ذلك
إضطهاد المسلمين غير
المسلمين أو إيذائهم ،
فإن الإسلام يقبل في
عضوية المجتمع المسلم
غير المسلم ويأمر
بحمايته ، وإذا فات غير
المسلم رابطة الإيمان
وأخوة الدين فلن تفوته
حماية المسلمين وعدل
الإسلام وبر المجتمع
الإسـلامي " ولا
يجرمنكم شنآن قوم على أن
لا تعدلوا إعدلوا هو أقرب
للتقـوى " " لا
ينهاكم الله عن الذين لم
يقاتلوكم في الدين ولم
يخرجوكم من دياركم أن
تبروهم وتقسطوا إليهم إن
الله يحب المقسطين "
الممتحنة : 8 .
إن قيام المجتمع الصالح
والأسرة الصالحة أمر
تنشده الحركة ، وتسعى في
إيجاده من خلال الحراك
التالي:
أ/ صلاح الأسرة التي هي
أساس كيان المجتمع ، وإذا
صلحت الأسرة صلح المجتمع
، وإذا فسدت فسد المجتمع.
ب/ الحرص على طهارة
المجتمع ونظافته من
القبائح والرذائل .
ج/ تعميق روح التوادد
والتراحم والتعاون بين
أفراد المجتمع
( وتعاونوا على البر
والتقوى ، ولا تعاونوا
على الإثم والعدوان ) ( لا
يرحم الله من لا يرحم
الناس ) متفق عليه .
د/ تحميل الفرد مسئولية
إصلاح المجتمع وإزالة
الفساد على قدر طاقته ،
والتعاون مع غيره لتحقيق
ذلك قال الله تعالى :(
فولا كان من القرون من
قبلكم أولوا بقية ينهون
عن الفساد في الأرض إلا
قليلا ممن أنجينا منهم )
هود : 116 ، وقال صلى الله
عليه وسلم :( من رأى منكم
منكرا فليغيره بيده فإن
لم يستطع فبلسانه ، فإن
لم يستطع فقلبه وذلك أضعف
الإيمان ) متفق عليه .
إن عملية بناء المجتمع
الصالح هي عملية تكاملية
تمازجية تسهم فيها كل
طبقات وأجناس المجتمع
بصورة متعاونة لا تبغي
بعضها على بعض ، وكل واحد
في المجتمع راع ومسئول عن
رعيته : فالإمام راع
ومسئول عن رعيته ، والرجل
راع في أهله ومسئول عن
رعيته ، والمرأة راعية في
بيت زوجها ومسئولة عن
رعيتها ، والخادم راع في
مال سيده ومسئول عن رعيته
.
(12)
التعليم :
التعليم
هو عماد كل نهضة ، ورائد
كل تغيير ، وباعث كل
حضارة ومفجر كل طاقة ،
وهو أساس نقل الخبرات
وتمليك المعلومات ،
والخبرات في كل شئ هي
أساس التنمية ،
وبالتنمية يتحقق الرخاء
الإقتصادي ويتطور ولهذا
فإن الحركة تعتبر
التعليم والتربية وسيلة
أساسية للتغيير والإصلاح
والنهوض بالمجتمع
الإرتري ، لذلك عملت منذ
مولدها على الإهتمام
بهذا الجانب فأنشأت ــ
رغم إمكاناتها المتواضعة
ــ بعض المؤسسات
التعليمية من معاهد
ومراكز لتحفيظ القرآن
الكريم ، والمدارس
لمرحلة الأساس والثانوية
.
وبالنظر لواقع التعليم
الحالي في الحركة نجده
تعليما ناشئا يحتاج إلى
العديد من المقومات
والإمكانات سواء كانت
بشرية أو مادية ، أو فنية
أو إدارية ، ومع ذلك فإن
ما قدمته الحركة من تعليم
لأبناء المهاجرين
الإرتريين يعد جهداً
مقدراً لا يستهان به.
ولهذا ، ولأن إرتريا دولة
حديثة التكوين والظهور
في المجتمع الدولي ، ولها
خصوصية جغرافية وسياسية
ــ فإن التعليم المطلوب
هو تعليم نوعي وكمي في آن
واحد وينبغي أن يتميز
بالآتي :
1/ أن يكون منطلقا من
الدين ويعمل على غرس
القيم النبيلة .
2/ إشاعة التعليم لكل
أبناء إرتريا ، بحيث يكون
إلزاميا في مراحله
الأولى .
3/ أن يكون شاملا لكل
جوانب الحياة الدينية
والدنيوية .
4/ أن يراعي خصوصية
المتعلم والفروق الفردية
، والميول والإتجاهات.
5/ أن يستخدم التقنيات
التربوية الحديثة في
التعليم وطرائقه .
6/ أن يكون مواكبا لحركة
التطور والتفجر المعرفي
الذي تشهده ساحة المعرفة
الإنسانية.
وعليه فإن على الحركة أن
تضاعف جهودها وتطور
عمليتها التعليمية في كل
جوانبها ، تضع السلم
التعليمي في مراحل
متدرجة ،
تراعي مكونات الشخصية
المتعلمة من حيث النمو
الجسمي والنفسي والعقلي
، ولا شك أن مطالب كل
مرحلة عمرية للمتعلم
تختلف عن الأخرى ، فينبغي
أن يحسب لكل ذلك حسابه من
قبل واضعي المنهج
التعليمي ، وكذلك ينبغي
أن تراعى عند التخطيط
لمراحل التعليم المختلفة
مطالب الحركة التغييرية
الحالية منها
والمستقبلية ، ، وتوضع
لها اللبنات الصحيحة
والصالحة من الوهلة
الأولى .
إن الترتيب السليم
للتعليم حسب متطلبات
المرحلة واحتياجات العصر
يعني الوصول إلى مخرجات
تعليمية وأصول ثابتة
يمكن الإعتماد عليها في
بناء مجتمع العلم
والإيمان مستقبلا ، وعلى
الحركة أن تأخذ بجد
العملية التعليمية ،
وتعمد على صياغة الناشئة
وفق الأهداف والمنطلقات
التي تراها ، وعليها أيضا
أن ترتب أولويات التعليم
في كل مراحله حسب
احتياجات الجماعة
التغيرية حالا ومآلا ،
بدءا بالتعليم في
الكتاتيب وانتهاء
بالتعليم التخصصي الدقيق
الذي يخرج الخبراء في شتى
المجالات العلمية ، وأن
تؤمن له مصادر التمويل
الكافية .
(13)
الثقافــــــة :
هي
مجموعة من العناصر
والمؤثرات التي تطبع
سلوك الفرد وتوجهه
بطريقة لا شعورية ، ومن
العناصر الأساسية التي
تكون الثقافة : العقائد
والأخلاق والفنون
والصناعة والعادات
والتقاليد والأفكار .
والثقافة توجه السلوك
بطريقة غير مرئية أو
محددة ، ومن ثم فإنها
تشكل الدائرة الكبرى في
النسق الاجتماعي ، وإن
الأفكار التي لا يمكن
تحويلها إلى سلوك أو لا
يسمح لها بأن تصبح كذلك
تظل قليلة النفع إن كانت
أفكارا خيرة ، وقليلة
الخطر إن كانت شريرة .
وإن مجتمعنا الإرتري
ليتعرض اليوم لعملية
التذويب الثقافي
والتغيير الاجتماعي في
مكوناته الثقافية (دين ،
أفكار, أخلاق ، وقيم ,عادات
، تقاليد) ؛ الأمر الذي
يفرض على الحركة الساعية
للتغيير والإصلاح وتحسين
واقع المجتمع إلى الأفضل
ــ أن تهتم بالإصلاح
الثقافي والتعرف على
العقبات الثقافية للتخلص
منها ، والتعرف على
النقاط التي تحتاج إلى
تقوية فتدعمها.
وما دامت الحركة تريد أن
تجعل الإسلام بأحكامه
وأخلاقه وآدابه ثقافة
للمجتمع يتفاعلون معه
ويمتثلون له على أنه جزء
من كينونتهم ومزاجهم
وهواجسهم وآمالهم ــ فإن
عليها أن تدخل الإصلاحات
المطلوبة على الثقافة
العامة في إرتريا بحيث
تصبح موافقة للهدي
الرباني ، وذلك بإزالة كل
أنواع الفساد الذي تراكم
عليها ، إلى جانب تقوية
الصالح منها ، ومحاصرة
الأفكار الفاسدة
والمنحرفة في أضيق نطاق ،
وعدم إفساح المجال لها
لتأخذ سبيلها إلى الحياة
اليومية ، وضرورة إيجاد
مثقفين يحملون ثقافة
تمازجية تكاملية هدفها
استشراف جميع المؤثرات
والعناصر ذات الثقل في
تكوين الوضع الحالي . وأن
تتمحور جهود المثقفين
والدعاة حول أهداف
رئيسية معينة هي :
العبادة وإقامة الحق
والعدل وعمارة الأرض ،
ويجب أن
تستبطن كل فكرة هذه
المعاني ، وتستهدف هذه
الأهداف ولو بصورة غير
مباشرة .
إن إشاعة القيم الثقافية
الخيرة ونشرها ليس
محصورا على الدعاة
والمثقفين أو المؤسسات
التعليمية فحسب ، وإنما
ذلك يحتاج إلى تضافر جهود
كل أفراد المجتمع
وتعاونهم لبلوغ الأهداف
المرجوة .
(14)
المال والتنمية :
المال
دعامة الحياة ، ولا غنى
عن القوة المادية في كل
معركة من معارك الحياة
سواء أكانت المعركة
إقتصادية أو سياسية أو
اجتماعية أو أخلاقية ،
وهذا المال إنما هو عطاء
الله ورزقه ، وملكية
الإنسان له هي ملكية
العارية المستردة ، أما
الملك الحقيقي الأصيل
فإنه لله الذي خلقه وخلق
الكون الذي يعيش فيه
ويستثمر طاقاته قال
تعالى : ( وآتوهم من مال
الله الذي آتاكم ) النور :
33 .
وقد استخلف الله الإنسان
على ذلك ليتصرف فيه تصرف
المستخلف ، وحرية
الإنسان في هذا
الإستخلاف تكون بإعمال
فكره ونظره لتطوير
أساليب الإستثمار ووجوه
الإنتفاع ، وطرائق الكسب
في إطار ما شرع الله ،
فالإنسان هو معدن الخير
والشر ، وأداة الإصلاح
والإفساد ، فهو الذي يصرف
قوة المال .
والنظام المالي
والإقتصادي في الإسلام
يقوم على أساس العقيدة
والإيمان بالله ، وعلى
هذا الأساس يتوفر عنصر
الرقابة الغيبية التي
يستشعرها المرء في نشاطه
الإقتصادى ، ولا يخفى ما
يترتب على ذلك من استقامة
، ويقوم النظام
الإقتصادي على فكرة
الحلال والحرام التي هي
تجسيد للقيم والمثل التي
يدعو لها الإسلام ، لأن
فكرة الحلال والحرام في
الإسلام تمتد إلى جميع
النشاطات الإنسانية
وألوان السلوك ، كما أن
النظام الإقتصادي يرتبط
بمفاهيم الإسلام عن
الحياة ومنهجه في تفسير
الأشياء .
يعتبر الفرد اللبنة
الطبيعية لبناء المجتمع
السليم ، وفي نفس الوقت
فإن المجتمع مسئول عن
سعادة الأفراد الذين لهم
الحرية الكاملة في
النشاط الإقتصادي ، فلهم
أن يجمعوا من المال ما
يشاءون ، ولهم أن
يستثمروه طالما كان ذلك
عن طريق الحلال ، وعلى
هذا نقر بالملكية الخاصة
والعامة ، ونرى أن لكل
منهما وظيفة إجتماعية
يتحقق بها التوفيق
والتوازن بينهما ،
فالملكية الخاصة لها
احترام ما دام مصدرها
حلال ، وما دام الفرد
يقوم باستثمارها
وتنميتها بالطرق
المشروعة ويؤدي منها حق
الله ، وإذا انحرف بها
أوفيها عن مصلحة الجماعة
بما يهدد كفاية المجتمع
أو أمنه جرد من
امتيازاتها التقليدية .
ومن الحقائق المؤكدة أن
أنواع البشر يتفاوتون في
الصفات الجسدية والنفسية
والفكرية ، وبالتالي
يتفاوتون في مواهبهم
وإمكاناتهم ، وهذا يؤدي
إلى التفاوت بين الأفراد
في الثروة والمال ، ويجعل
بعض الأفراد عاجزين عن
الكسب أو مقلين ، فهؤلاء
لا يتركون عالة أمام
كوارث الحياة لترث
نفوسهم الأحقاد على
مجتمعهم ، بل يفرض لهم في
أموال الأغنياء حقا
معلوما كالزكاة والنفقات
الواجبة ، وتوجد لهم
أنماط أخرى للتكافل
الإجتماعي ، ولهذا يجب أن
لا تقام العلاقات
الإقتصادية بين الناس
على أسس مادية نفعية كما
تفعل النظم الأخرى ، بل
تقام على أسس إنسانية
خلقية يتحقق بها التكافل
والتعاون والتراحم
والعدل والإحسان .
ويجب أن نسعى إلى إقرار
العدالة الإجتماعية
وتحقيق التوازن
الإقتصادي ، وتجريد
المال من وسائل الطغيان
والسيطرة على شئون
الحياة ، وضمان حياة
كريمة للفقراء والمساكين
وللطبقات الدنيا
والكادحة من المجتمع ،
وذلك بإنشاء وتنمية
المؤسسات الإنسانية ذات
الأهداف الإجتماعية
وتدعيم الروابط الأسرية
والإجتماعية عبر النفقات
ونظام التكافل الإجتماعي
، وتحقيق الضمان
الإجتماعي لكل مواطن ،
والحد الأدنى من العيش
الكريم ، ونحرص على أن
تعمل طاقات الإنتاج في
المجتمع بأقصى قدراتها
الممكنة دون تعطيل أو
إهمال .
إن تحقيق قيمة العدل
كأساس لكافة المعاملات
الإقتصادية والتصرفات
المالية أمر ضروري ، وإن
اكتساب المال وحفظه من
الضياع ورواجه في الخير
ونظامه في العمل وانفاقه
بالقصد ــ من غير إسراف
أو تقتير ــ وتوزيعه
بالعدل هي الطريقة
المثلى والسياسة الفضلى .
(15)
السلم والحرب :
لا
توجد في العلاقات
الدولية المعاصرة حالة
سلم دائم أو حالة حرب
دائمة ، وإنما هي حالة
صراع دائم لا يتوقف ،
ولقد جاء الإسلام بشريعة
شاملة تنظم أحوال الناس
في كل مراحلها ، فشرع
لحال السلم أحكاما
وآدابا ، ولحال الحرب
أحكاما أخرى وآدابا
يلتزم بها المسلمون ،
ودعا القرآن الكريم إلى
السلم في ظروف وملابسات
عادية توائمه ، قال تعالى
: ( وإن جنحوا للسلم فاجنح
لها وتوكل على الله إنه
هو السميع العليم )
الأنفال : 61 ، وأمر
بالقتال في ظروف
وملابسات تحتمه فقال
تعالى : ( وقاتلوا في سبيل
الله الذين يقاتلونكم
ولا تعتدوا إن الله لا
يحب المعتدين " البقرة
: 190 .
والإسلام أول وأكمل
تشريع خطا في سبيل إقرار
السلم والسلام أوسع
خطوات ورسم لاستقراره
أدق الضمانات التي لو
أخذت الأمم سبيلها، وسلك
الحكام والزعماء نهجها
لأراحوا واستراحوا .
فالإسلام يعمق روح
الإخاء بين الناس ، وجعل
الناس شعوبا وقبائل
ليتعارفوا وليتعاونوا
على البر والتقوى وعلى ما
فيه خير البشرية ، وذم
التعصب الذي يدفع
الإنسان إلى هضم حقوق
الآخرين والاعتداء عليهم
، وأمر المسلمين بإقامة
علاقاتهم مع غيرهم على
التسامح الذي يتمثل في
رعاية غير المسليمن
وحماية أنفسهم وأموالهم
وأعراضهم وجواز التعامل
معهم ، وكانت دعوة
الآخرين إلى الإسلام
بالحكمة والموعظة الحسنة
، قال تعالى : ( أدع إلى
سبيل ربك بالحكمة
والموعظة الحسنة وجادلهم
بالتي هي أحسن ، إن ربك هو
أعلم بمن ضل عن سبيله وهو
أعلم بالمهتدين ) النحل :
125 .
وإذا كان الإسلام يدعو
إلى السلم فإنه في الوقت
نفسه لا يقف أمام
المعتدين موقف المستسلم
الذليل ، بل يحث أتباعه
لمقاومة أي اعتداء يقع
عليهم قال تعالى : ( فمن
اعتدى عليكم فاعتدوا
عليه بمثل ما اعتدى عليكم
) البقرة : 194 .
وما دامت في الدنيا نفوس
لها أهواء ونزوات ومطامع
، وما دام هناك في الدنيا
خير وشر ، وحق وباطل ،
وظالم ومظلوم ــ فلا بد
من وقوع الحرب . فحين تكون
الحرب لردع المعتدي
ونصرة الحق ، والإنتصاف
للمظلوم ــ فإنها تكون
فضيلة من الفضائل تنتج
الخير والبركة ، وحين
تكون تحيزا وفسادا في
الأرض واعتداء على
الضعفاء وتحقيقا لمطامع
ورغبات وأهواء ــ تكون
رذيلة اجتماعية تنتج
السوء والشر والفساد في
الناس . ومن هنا جاء
القرآن يبين أن الحرب
ضرورة شرعية يلجأ إليها
عند استنفاد الوسائل
الأخرى ، قال تعالى :(
ولولا دفع الله الناس
بعضهم ببعض لهدمت صوامع
وبيع وصلوات ومساجد يذكر
فيها اسم الله كثيرا ،
ولينصرن الله من ينصره إن
الله لقوي عزيز ) الحج : 40
، فأباح الله من قتل
النفوس ما يحتاج إليه في
صلاح الخلق .
وتختلف الحرب في
أساليبها ودوافعها من
عصر لآخر ومن أمة لأخرى ،
ولكن الإسلام استبعد كل
أنواع الحروب التي
تدفعها وتثيرها العصبية
العنصرية أو التي تثيرها
المطامع والمنافع أو
الإستحواذ على السلطة
والثروات أو الثارات ،
وجعل الحرب المشروعة هي
القتال في سبيل الله ،
قال تعالى : ( الذين آمنوا
يقاتلون في سبيل الله ،
والذين كفروا يقاتلون في
سبيل الطاغوت ) النساء : 76.
سئل رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن الرجل يقاتل
حمية ويقاتل رياء أي ذلك
في سبيل الله ؟ قال : من
قاتل لتكون كلمة الله هي
العليا ، فهو في سبيل
الله . رواه البخاري.
إذن الحرب في الإسلام حرب
عادلة ومنصفة هي لرد
العدوان الواقع على
المسلمين أو يقع عليهم ،
وتأمين لنشر الدعوة
الإسلامية وإزالة
العوائق والعراقيل التي
يضعها أهل الشر والبغي
صدا عنها ومنعا من مضيها
، قال تعالى : ( وقاتلوهم
حتى لا تكون فتنة ويكون
الدين لله ، فإن انتهوا
فلا عدوان إلا على
الظالمين ) البقرة : 193 .
وهي أيضا من أجل حماية
الوطن والمواطنين في
عقيدتهم وأنفسهم
وأعراضهم وأموالهم .
وحين يلجأ الإسلام إلى
الحرب في تلك الظروف
والملابسات والضرورات
الاجتماعية فإنه لا يغفل
الرفق والسماحة
والإنسانية الفاضلة التي
تلازمه دائما حتى أثناء
المعركة ، خلافا للآخرين
الذين يتحللون من كل
القيود الخلقية
والإنسانية ، فلا يتعدى
المسلمون إلى من لا
يناصبهم العداء من
الأطفال والنساء والشيوخ
والرهبان ، ولا ينهبون
أموال المدنيين ، ولا
يفسدون في الأرض ، ولا
ينتهكون الأعراض . وهناك
الكثير من الآداب
والأحكام والتوجيهات
التي أمر بها الإسلام
أتباعه في تعاملهم مع
أعدائهم في الحرب .
وتأسيسا على ذلك فإن حركة
الجهاد تلتزم في سلمها
وحربها بالنهج الإسلامي
الذي رسمه الشرع لتنظيم
حياة السلم والحرب دوافع
وغايات ومبادئ وأخلاقا .
ولقد وقع على الشعب
الإرتري ــ خاصة المسلم
منه ــ ضيم كبير واعتداء
غاشم من قبل نظام الجبهة
الشعبية استهدف ضرورياته
: الدين ، النفس ، النسل ،
العرض، العقل ، والمال .
فمنعت الدعوة الإسلامية
من الممارسة ، وأغلقت
المعاهد واعتقل المعلمون
والدعاة وتعرضت العقيدة
الإسلامية للتشويه
والاستهداف ، وأصبح
المجتمع المسلم يتعرض
لسياسات وعمليات التذويب
والمسخ والإبادة البشرية
وانتشر الفساد والانحلال
الخلقي ، وأفقر المجتمع
من كل وسائل الحياة
والمال والتعليم والعمل
، وإن كثيرا من الضعفاء
والمساكين ، بل الشعب
الإرتري كله يتمنى
التخلص والانتقام من هذا
النظام الذي دمر كل
المكتسبات والخيرات
والمقدرات في البلاد ،
والذي لم يراع أي اعتبار
للقيم والدين والإنسانية
، ليفعل كل شئ دون قيود
أخلاقية ورحمة إنسانية
في سبيل بقاء سلطته
وتحكمه على مصائر البلاد.
وإن حركة الجهاد لتملي
عليها عقيدتها الإسلامية
وواقع مجتمعها الإرتري
وأخلاقها النبيلة
ومسئوليتها الإنسانية أن
لا تسكت على هذا الواقع
المرير ، إذ عليها أن
ترفع لواء المقاومة
والحرب ضد من يستهدف
ضرورات الحياة . وإذا ما
توفرت ظروف السلم
المناسبة وضمانات تحقيق
الأهداف والمصالح
المرجوة ـ فإن حركة
الجهاد ليست ضد إقرار
السلام ، قال تعالى : ( وإن
جنحوا للسلم فاجنح لها
وتوكل على الله إنه هو
السميع العليم ) الأنفال :
61 .
|