المتابع للمشهد السياسي الإرتري هذه الايام يتملكه الكثير من العجب وعلامات الاستفهام من أوضاع وتناقضات نظام أفورقي المتدهور إلى وديان سحيقة من الفشل والأزمات على جميع الأصعدة حيث ضاقت البلاد بأهلها من جراء الممارسات التعسفية للنظام الدكتاتوري الذي أحال حياة الشعب الإرتري إلى مآسي وويلات وآلام وحسرات
أحدثت في أعماق الإنسان الإرتري أينما حل جروحاً غائرة لا يتسطيع الزمان محوها وافتقد كل معاني الأمن والاستقرار والطمأنينة في أرضه حتى عُد كل داخل إليها مفقود إن قدرت له النجاة من عصابات المتاجرة بالبشر على مشارف الحدود حتى اسرائيل وصحاري أفريقيا وبحارها وملاجئ اللاعودة إلى وطن اسمه (إرتريا) أصبح مصدر رعب لمواطنيه وقلق لأمن جيرانه بامتهان حروب الوكالة هنا وهناك واحتضان حركات التمرد في كل مكان وللأسف الشديد يحدث كل ذلك في الوقت الذي يهرب فيه الشعب الإرتري خارج أرضه بشكل جماعي وبصورة شبه يومية إلى دول الجوار ومن مختلف قطاعات الشعب والجيش وكبار الضباط والدبلوماسية والطلاب حيث بلغ عدد الهاربين إلى السودان خلال لعام المنصرم (49136 )فرداً منهم (21000) إمرأة يمثل العسكريون من هذا الصدد 37% والطلاب 24% وأما الذين هربوا إلى اثيوبيا خلال الفترة نفسها فبلغ ( 24000) فرداً أي بمعدل (2000) فرد في الشهر وبلغ عدد الذين قتلوا أثناء الهروب بين افتراس الذئاب أو ابتزاز عصابات المتاجرة بالبشر أو الموت عطشى في الصحاري أو الموت برصاص قوى الأمن المصرية على الحدود مع إسرائيل أكثر من (100) فرد على الأقل الأمر الذي يفرض تسأؤلاً عن أبعاد هذه المؤامرة ومن وراءها وكيف لدولة صغيرة الحجم والإمكانات وحديثة الاستقلال وتعيش في توتر دائم وأزمات خانقة أن تقوم بكل هذه الأدوار وتنتهك حقوق شعبها ولا يحرك ذلك ساكناً إلا ما حدث مؤخراً من صدور عقوبات القرار (1907) من مجلس الأمن على مالنا عليه من مآخذ فيما يتعلق بحيثيات إصداره بعيداً عن معاناة الشعب الإرتري وتضرره من النظام وكذلك عدم مصداقية تلك الجهات في التطبيق الفوري للقرار ووضع حد لهذا النظام الدكتاتوري الذي يسعى إلى قتل روح المقاومة في الشعب الإرتري على مسمع ومرأى من الجميع وبما في ذلك الذين صنعوا هذا النظام ووقفوا وراء تحريكه صراعاته مع الآخرين بدلاً من الوقوف مع الشعب الإرتري في معركة البناء والتعمير فهل آن الأوان للمجتمع أن يتحمل مسؤلياته أمام مأساة هذا الشعب التي أوجدها النظام القمعي في أسمرا ؟ أم أن هذاالشعب كتب على محنته في كل الحقب التجاهل والتآمر ليواجه قدره بنفسه وقدراته الذاتية ومجاهدات أبنائه البررة ؟!
حقاً إن الخروج من عنق الزجاجة وحالة التأزيم للمشهد السياسي الإرتري لا يكون إلا عبر الاستجابة للمسئولية الوطنية تجاه مآسي هذا الشعب ومن ثم فإن الآمال تتجه إلى مجاهدات قوى المعارضة الإرترية وما تقوم به من شحذ الهمم ولم الصفوف لمقاومة النظام القمعي بكل الوسائل فعلى الصعيد الحركي جاء انعقاد مجلس شورى حركة الإصلاح الإسلامي في دورته الثالثة خلال الفترة الماضية مثمناً مجاهدات وصمود المجاهدين القابضين على جمر المحنة ومقيماً الأداء التنظيمي للحركة وخططها المستقبلية محملاً النظام الطاغي تبعات سياساته التعسفية وإفرازاتها السالبة على المجتمع الإرتري ومشيداً في الوقت ذاته بمستوى الحــــراك السيــــاسي وتوحيــــــد صفــــوف المعارضة بتجـــــــربة جبهة التضامن الإرترية وضرورة تطويرها من خلال المؤتمر الجامع وأما على صعيد التحالف الديمقراطي فإن الأنظار تتجه خلال هذه الشهور نحو انعقاد ومآلات ملتقى الحوار الوطني الإرتري للتغيير الديمقراطي كخطوة لإرساء الوحدة الوطنية الإرترية بين كل قطاعات ومكونات الشعب الإرتري وقواه السياسية والاتفاق على ميثاق وطني جامع دون إقصاء لأحد أو تهميش لفئة وهذا ما لا يتأتى إلا بالابتعاد عن عقلية التآمر والتأزيم في تعاطي مشكلات الساحة الإرترية الراهنة لا سيما جبهة المعارضة التي لا تنسجم خطواتها وبعض مواقفها مع التحديات الماثلة وحجم معاناة هذا الشعب المغلوب على أمره ومن ثم فإن جرم اللامبالاة أو تجاهل معاناة الشعب الإرتري لا يقل خطورة عن جرم التآمر عليه وتفريقه من وطنه وقيمه في مشهد كارثي يفوق تدفقات الهجرة واللجوء إبان الاستعمار الأجنبي للبلاد في تأثيراتها السالبة فهل تصبح المعارضة الإرترية في مجملها على مستوى التحدي الماثل وتخرج من فوضى التشظي والوهن وحالة الغياب عن الوعي والتكلات المضادة بلا ناظم إلى التعاضد الجمعي والوحدة القوية والاستجابة للمسئولية الوطنية الكبرى وتحقيق معادلة نكون أو لا نكون اليوم قبل الغد ؟
|