الرئيسية | إرتــريا |عن الحركة  | الأخبار|الإصدارات |

الدراسات | الحوارات |  المقالات  

 
هروب القيادات العسكرية .. أسبابه الداخلية.. وعواقبه المحتملة.وكتبه/جلا الدين محمد صالح
نقلاً عن: رحيب نت

نشر موقع حركة الإصلاح الإسلامي الإرتري خبر دخول دفعة جديدة من القيادات العسكرية الإرترية، ذات الرتب المختلفة إلى الأراضي الجيبوتية، في 16/3/2010م، موردا أسماءهم على النحو التالي:



• الرائد/ بحري /فقادو هيلوم

• الرائد /نجستي تخلي آب /الفرقة 215

• الرائد /اسفادوبرهاني الفرقة 215

• الرائد بحري/ أفريم هيلى آب

• الرائد أمن /علي محمد نور

• النقيب /ادريس يعقوب طادة

• الملازم /محمدعثمان أري



وسبق للموقع المذكور أن نشر من قبل أكثر من مرة خبر دخول دفعات عسكرية مماثلة، ذات رتب قيادية إلى الأراضي الجيبوتية نفسها، وأخرى إلى الأراضي اليمنية، فما الأسباب الداعية إلى هذا الهروب العسكري المتكرر؟.

بالتأكيد لم تعد ظاهرة هروب القيادات العسكرية ومرؤوسيهم المجندين في برنامج الخدمة الوطنية غير المحددة خبرا مفاجئا للإرتريين أو حدثا غير متوقع بالنسبة لهم، فمنذ أن شبت نار الحرب الإرترية الإثيوبية عام 1998م باتت الحالة الأمنية في إرتريا مغلقة جدا، بالإضافة إلى تردي الأوضاع الاقتصادية مع غموض مستقبل البلاد السياسي الناجم أصلا عن غياب مؤسسات تشريعية منتخبة تضع معالم السياسة الوطنية، وترسم خطوطها العريضة على الصعيد الداخلي والخارجي، وأيضا غياب صحافة حرة تعكس هذه السياسة وتوعي بها الرأي العام الإرتري، وتقوم بدور الرقابة الشعبية.

وعليه فإن الأسباب الداعية إلى تزايد حالة الهروب هذه تعود إلى أكثر من عامل، لكن أهم عامل فيها هو:

اختزال الدولة في شخص الرئيس

من أسوء ما يميز إرتريا عدم وجود دستور يحكمها، ولعل من الغريب العجيب أن يسمع البعض بوجود دولة على الكرة الأرضية لا دستور لها، ولكن هذا هو الواقع في إرتريا، فالرئيس أسياس أفورقي رأى أن يعتقل الدستور ويعطل مفعوله، ليكون وحده هو الآمر الناهي، دون مرجعية تضبطه، وهذه الوضعية الشاذة بالطبع أيا كانت أسبابها لا بد أن تبعث على التبرم والتضجر وتثير ولو على النطاق الضيق بعض التساؤلات في أوساط المؤسسة العسكرية، إن لم يكن في أعلى مستوياتها القيادية ففي مستوى ضباط الرتب المتوسطة أو فما دونها، وهذه التساؤلات لابد أن تؤدي بدورها إلى تشديد الرقابة الاستخباراتية وزرع أجهزتها من الحكومة بين الجنود وقياداتهم العسكرية، بغرض فرز العناصر الموالية من العناصر المشكوك في ولائها، وهذا يعني تطهير الجيش منها، كلما استدعى الأمر بين فترة وأخرى، إما بالتجميد أو الاعتقال، أو التصفيات الجسدية، أو الإحالة إلى المعاش والتقاعد، مما يخلق مزيدا من حالة التوتر والريبة، ويفاقم من أزمة الثقة بين المقاتلين من جهة، والقيادة السياسة الحاكمة من جهة أخرى، وهو ما يضعف من قدرات المؤسسة العسكرية وولاءها العسكري.

ولا ننسى أن الجيش الشعبي أظهر نوعا من التذمر يوم خرجت جماعات منه متظاهرة في العاصمة أسمرى قبيل استفتاء تقرير المصير عام 1993م مما اضطر رئيس الحكومة المؤقتة وقتها الرئيس إسياس أفورقي إلى الخروج لمخاطبتهم وتبديد تخوفاتهم التي أعربوا عنها، ثم كان التخلص بطريق وآخر من العناصر المحركة لهذا الاحتجاح، وقد وصفت العملية حينها بـ(بروفات) انقلابية من الجيش الشعبي على قيادته السياسية، وأثارت أكثر من علامة استفهام.

كما أن أعدادا من معاقيه تعرضوا لتصفية جسدية بمجرد أن احتجوا عام 1994م على بعض الممارسات غير المرضية حسب تقويمهم، في معركة قال عنها الأمين العام للحزب الحاكم وقتها السيد الأمين محمد سعيد في اجتماع جماهيري بجدة (حي الكرنتينة) عام 1994: إنها كانت حاسمة، وهي مصير كل من تسول له نفسه الخروج على الانضباط التنظيمي والعسكري محددا زمن المعركة بساعتين من السادسة إلى الثامنة صباحا، انتهت على حد تعبيره بنجاح في إنهاء هذا الاحتجاج من معاقي جيش التحرير الشعبي بقوة السلاح.

لا بد أن تحتفظ ذاكرة الجيش الشعبي المغوار بمثل هذه الأحداث العظام في تاريخه النضالي المشرف لليوم المناسب والوقت المناسب، فليس من السهل لجندي ضحى بأعز ما يملك في سبيل كرامة بلده، وتحقيق إنسانيته، أن ينسى سقوط زملاء له معاقين أمام عينية، لمجرد أنهم خرجوا على الانضباط التنظيمي حسب وصف الأمين محمد سعيد.

ولاحقا بعد أن شهدت قيادة الجبهة الشعبية حالة الشرخ والتصدع الرأسي الذي أدى إلى اعتقال مجموعة الـ( G15 ) القيادية في 2001م أخذت الأزمات الداخلية تفاقم من آثارها، وتتفاعل بشكل وآخر، حتى طفت على السطح بشكل ملفت، إلى حد محاولة اغتيال الرئيس إسياس والتي وصفها الرئيس بالأكاذيب الملفقة في المقابلة التي أجرتها معها الصحفية بقناة الجزيرة القسم الإنجليزي.

على كل ليس صحيحا كما يبدو للبعض ما يقال من أن تلك الأزمة انتهت كليا باعتقال (المجموعة) وتكبيلها في السجون، ولم يعد لها اليوم أثر يذكر، بعد أن نجح الرئيس إسياس في حسمها وطمسها لصالح سياساته وتوجهاته في حكم البلاد!!.

إن هذا نوع من التبسيط الساذج، غير المقبول منطقيا في تحليل مجريات الأحداث وآثارها الأمنية، والسياسية، ذلك أن وجود قيادات منشقة خارج البلاد من أمثال وزير الدفاع السابق مسفن حقوس بما له من رصيد نضالي وعلاقات نضالية تمتد جذورها إلى عمر الجبهة الشعبية نفسها يعني بالضرورة وجود أنصار موالين، وخلاياهم النائمة، في داخل المؤسسة العسكرية نفسها، بغض النظر عن الحجم الذي يمثلونه، والخطر الذي يشكلونه، وهذا بدوره يعني تحريك المسألة وتنشيط الذاكرة بنبشها على مستوى كل أجهزة النظام، وبالذات في الجهاز العسكري ولو في مستوياته الدنيا، ولا بد من أن تتشعب به إلى أبعاد مختلفة، ومعقدة أكثر، إقليمية، وغير إقليمية، تتداعى فيها الكثير من الترسبات السياسية والعسكرية والجهوية والقبلية، بكل ما هي مثقلة به من صراعات الماضي من نحو تصفية مجموعة المنكع في السبعينيات والتي تصنف عند البعض جهويا بـ(الأكلوجزاويين) وآيدلوجيا بـ( باليساريين) وأكاديميا بـ(الجامعيين) الأكثر وعيا، والأعمق فكرا، وسياسيا بـ(الأقدر قيادة).

لاشك القضية بهذا التعقيد تمثل أمرا مقلقا للنظام ومربكا لسياساته، وتفرض عليه تبني خطة أمنية تجاه المؤسسة العسكرية تنبني على ما يلي:



• حماية المؤسسة العسكرية من الاختراق في أعلى مستوياتها القيادية.

• وضعها في حالة استنفار دائم ومراقبة مستمرة.

ويمكن أن نلحظ مظاهر هذه الخطة في صرف المؤسسة العسكرية عن التفكير التغييري فيما نراه من أعمال السخرة التي يقوم الجيش الشعبي بتنفيذها تحت غطاء إنجاز البنية التحتية للبلاد، وأيضا في افتعال المشكلات الحدودية كما هو الحاصل مع جيبوتي الآن، أو مشكلات آيدلوجية كما كان الحال مع السودان في التسعينيات، وإيهامها بأن سيادة البلاد مستهدفة من الخارج.

كذلك حالة اللاحرب واللاسلم مع إثيوبيا اتخذ منها النظام وسيلة ناجحة في تنفيذ هذه الخطة الأمنية فعلى الرغم من أنها أنهكت خزينته إلا أنها في الوقت نفسه مكنته من أن يحيد المؤسسة العسكرية عن أي خطوة محتملة نحو التغيير لصالح السياسات المعارضة لخياراته، إذ حشد مآت الآلاف من مجنديها المستجدين وغير المستجدين وهم على أقصى درجات الاستنفار العسكري، في خنادق وحفر الحرب، على الحدود الإثيوبية الإرترية لأمد غير معلوم حتى الآن.

وكمظهر من مظاهر مضاعفات حالة اللاحرب واللاسلم هذه، شغل النظام قيادة المؤسسة العسكرية والأمنية معا بالنزاع المسلح في الصومال لتكون طرفا مناصرا لأحد جانبي الصراع ضد الآخر، وممولا له بالعتاد العسكري، حسب التقارير التي اعتمد عليها مجلس الأمن في إصدار قراره الأخير القاضي بفرض حصار على الحكومة الإرترية، بالإضافة إلى ما أفرزته هذه الحرب من تضيق على الشعب الإرتري في معيشته اليومية إلى حد انعدام قدر كاف من الخبز وتجريم بيع العجين.

لهذا كله من الطبيعي أن تشهد المؤسسة العسكرية تفاعلات داخلية سلبية تؤدي إلى تصاعد درجة التوتر النفسي بين المقاتلين، ومن ثم إلى ارتفاع معدلات حالة الهروب المستمرة إلى دول الجوار، ليس إلى جيبوتي وحدها، وإنما أيضا إلى بقية دول الجوار: السودان، إثيوبيا، اليمن، كلما سنحت الفرصة المناسبة، في دلالة واضحة على ما تعيشه المؤسسة العسكرية الإرترية من تدني في مستوى الانضباط، وتململ متنامي من الوضعية التي هي تعيشها، ربما تتجاوز درجة غليانها الحد التي هي عليه الآن لتصل إلى مستوى الرتب العليا وساعتها يكون الانفجار العسكري المدوي، ليكون إما خلاصا للبلاد من أزمته الحالية، وبداية عهد جديد من الحياة السياسة الإرترية لا بد ان تكون أقل حدة من هذه المرحلة إن لم تكن مغايرة لها كليا، وإما ليكون هذا الإنفجار العسكري دمارا شاملا يغرق البلاد في بحر من الدماء والفوضى السياسية لا قدر الله وهي العاقبة التي لا يتمناها أحد لبلاده.

رجوع

 

 

 الرئيسية | الأخبار | مقالات  | الدراسات | الحوارات  | عن الحركة  |  إرتــريا |  اتصل بنا

جميع  الحقوق  محفوظة ©   لحركة الإصلاح الإسلامي الإرتري