إن النظام الإرتري بعد أن يئس من استقطاب الدعم الدولي لنظامه المتداعي واتساقاً مع منهجه المألوف في صرف الأنظار عن مشاكله الداخلية ولفك العزلة الإقليمية والضائقة الاقتصادية عنه يتمظهر في ايامنا هذه بأنه نصير المستضعفين وعرّاب المنطقة وحلال لمشاكل شعوبها ويشعر بالزهو والانتفاخ الكاذب إزاء مايخفيه لهم من خداع وإيهام لما يستبطنه
من شر إذ المعروف عنه أنه من حيث يقدم طبقاً شهياًَ وباقة زاهية من الزهور يستهوي بها الناظر ويأسر بها الألباب فإنه يدس سماً ناقعاً في الطبق ويضع قنينة مفخخة في الباقة يكون من ضحاياها من آواهم أو ناصرهم أو صالحهم
ومكلف الأشياء ضد طباعها
متطلب في الماء جذوة نار
وإنه إذ يقوم بهذا فليس نصرة للمستضعفين أو حباً للسلام ،أو نشداناً لاستقرار المنطقة أو رداً لجميل كان عليه ديناً إبان مرحلة النضال يكافئ به من صنعه . بيد أنه يعلم يقيناً أن التي كانت بيده قد استنفذت أغراضها ، ولم يعد بإمكانه تسويقها أو استثمارها ، لذا لجأ إلى هذا الأسلوب علّ ذلك يواري سوءته ، أو يفك ضائقة اقتصادية عنه أو يحل معضلة سياسية له . يتبجح النظام بهذا دونما حياء أو خجل إزاء ما يقوم به تجاه الشعب الإرتري من تضييق الخناق وإحكام الطوق على رقبته .
إن رأس النظام الإرتري لم يدخر وسعاً في إذكاء نار الحرب في المنطقة يباشرها بزج الشعب الإرتري في أتونها تارة ، ويمارسها بالوكالة عبر شعوب دول الجوار مرات أخرى . وإمعاناً في السوء وإيغالاً في الشر لجأ إلى (السمسرة ) بالسلاح ، بل هو أحد أهم المهربين الدوليين للسلاح حيث يعقد صفقات كبيرة لجهات عديدة : إقليمياً ودولياً عبر مكتبه في إحدى دول شرق آسيا بالتعاون مع إسرائيل ومن ثم يتكفل بإيصالها إلى الجهات المعنية ليؤجج ساحاتها بحرب مستعرة لا يخمد أوارها . مع الوضع في حسبانه جمع المعلومات الكافية عنها ليبيعها في الوقت المناسب لجهات يوهم الآخرين بأنه معاد لها والأمر ليس كذلك .
إن هذا النظام قد رهن بقاءه واستمراره بخلق حالة من التوتر الدائم في المنطقة يهدف منها في المقام الأول تدمير إرتريا – بشرا وموارد – بالعسكرة المستمرة لكل الشعب بما فيه كبار السن والطلاب والمعلمين والرعاة والموظفين والتجار ،وبالسجون لكل الشرفاء والوجهاء والأعيان حتى النساء بحجة هروب الأبناء من أعمال السخرة التي لا تنتهي ، وغيرها من الأسباب ، وبممارسة التجهيل وحرمان الشعب من التعليم بذرائع مختلفة ، وبالإفقار المنظم للشعب بشتى السبل من بينها احتكار الحزب لكل أوجه النشاط الاقتصادي في البلد . ومن لم يحتملوا عذاباته هاموا على وجوههم في الفيافي والمنافي فمنهم من قضى نحبه في البحر الأبيض المتوسط غرقاً ، ومنهم من لقى حتفه تيهاً وعطشاً في صحاري ليبيا ومنهم من أعيد قسرا إلى إرتريا ليواجه الموت الزؤام بيد جلادي النظام . والسعيد من وصل إلى مأمنه ليقدم لجوءا سياسياً إلى أوربا أو استراليا أو أمريكا ، لافتاً المنظمات الحقوقية لما يتعرض له شعبه من مآسي كاشفاً للفضائح والجرائم للنظام .
ومما طالعتنا به الأنباء أن النظام بدأ موجة جديدة من الاعتقالات اختص بها هذه المرة مجموعة من الأبواق التي تسبح بحمده وهذا من باب قول القائل :
وأحياناً على بكر أخينا إذا لم نجد إلا أخانا
نعم أن رأس النظام قد اكتسب دربة ومهارة فائقة في خلق أزمة ثقة بين قياداته واصطناع بعضهم لحبك أساليب الوشاية بينهم بحيث يكون الركن الذي يؤوي إليه الجميع والمفزع الذي يفزع إليه هو (أفورقي ) ذاته ؛ وذلك حتى يجعل المنافسة في تقديم مراسم الولاء والطاعة له على أشدها ، ويضمن عدم اتخاذ تدابير تودي بحياته ومؤامرات تنهي نظامه . وإننا لنعجب أشد العجب من أن ذلك كيف ينطلي على الناس بالرغم من وضوح هذه الأساليب المتكررة وتتكرر معها لدغاتهم ، فهل ينتظرون صعقاً اشد من هذا حتى يكتمل الوعي لديهم . ؟!!.
لا شك أن الأمر والحالة هذه يستوجب أن ينفس الشعب عن احتقاناته بالثورة الشاملة في وجه النظام ، والرفض القاطع لسياساته في الداخل والخارج وهذا لا يتم إلا من خلال التحاق الشباب بالمعارضة لحمل السلاح ومن ثم مواجهته، حتى يعجلوا بزوال الكابوس الذي جثم على صدر الشعب ، لينعم الجميع – محلياً وإقليمياً - بالأمن والاستقرار والسلام والرفاه .
عن المعارضة الإرترية يحمد لها تأسيسها للتحالف في عام (1999م ) وتواضعها على ميثاق استوعب قدراً من خصوصية التنظيمات ، ولا بد من أن يستمر على هذه المراعاة ؛ رصاً للصفوف وتكاملاً فيما بينها ، وسعياً منها لاستمرارية التحالف متماسكاً ، والحفاظ على مكتسباته التي تحققت كما يحمد للمعارضة تفكيرها الدائب في قضايا المستقبل من تطوير التحالف وسعي نحو الإجماع الوطني باستيعاب كل القوى السياسية والكيانات المدنية .بيد أن الانهماك والاستغراق في هذا كان خصماً على متطلبات الراهن وواجب الوقت
واستحقاقاته على الصعيدين العسكري والسياسي بل إن البعض أعفى نفسه من أية محاولة عسكرية ضد النظام مراهناً على سقوط النظام بشكل تلقائي (غنم بلا غرم) ، وياليته وقف عند هذا الحد ، ولكنه يتجاسر على الآخرين بالاستهجان للعمليات العسكرية ، متوهماً أن الجعجعات الفارغة يمكن أن تنتج طحيناً ، - وهيهات – بحسبان أن جيش النظام رصيد وطني يجب أن يدخر للحظة المناسبة له . إن أي رفض للعمل العسكري ضد النظام في المرحلة الراهنة يوحي بأجندة خفية. نحن لا نعيب على من لا تمكنه ظروفه الخاصة بالمواجهة المسلحة للنظام ، سواء بعجز ذاتي أو تفضيل لوسائل أخرى ميسرة له أكثر بل نرى أن الجميع يمكن أن يتكامل بالمجاهدات العسكرية والسياسية والإعلامية كل بحسب طاقته وإمكانه ، وكل ينبغي أن يقدر جهود وعطاء الآخر ، ويقدم الدعم المعنوي والحسي والنصح والنقد البناء له أو أن يسكت على الأقل عنه . أما أن يجعل نفسه وصياً وحكماً على الآخرين ويتغول عليهم بالتشويه وتأليب للرأي العام ضدهم ويثير الغوغاء عليهم فهذا لا يقبل منه إطلاقاً ، وهو مخل بأدب المعارضة وأخلاقياتها . وأن الذي يحقق الإجماع الوطني على أسس ثابته ليس منها هذا المسلك وإنما هو مراعاة للخصوصيات التنظيمية ،حتى لو اختلفت معها رأياً أو اعتقاداً أو مسلكاً أو تقدير مواقف وهذا هو السبيل للمساكنة الوطنية والمعايشة الدينية والثقافية والسياسية مستقبلاً .وغني عن القول ونحن بهذا الصدد أن نذكر كل منسوبي الحركة من قيادات وكوادر وجماهير مطلوب منها أن تكون على قدر الرسالة والأمانة والمسؤولية ؛ إذ أن الساحة السياسية بتشعباتها وارتهاناتها الخارجية ( محلياً وإقليماً ودولياً ) توحي بمستجدات ومفاجآت تتطلب الوعي بما يحاك في الساحة الإقليمية والدولية ، والتحلي بالصبر والصمود في وجه التحديات الماثلة أمامنا . وأن طريق التغلب عليها – بإذن الله – يتطلب أيضاً قوة في الإرادة وصلابة في العزيمة ومزيداً من العطاء الدافق والحماس المتوهج والارتقاء بالعمل : وعياً وفكراً وبصيرة ودقة في التخطيط المبني على المعطيات الصحيحة واتخاذ التدابير اللازمة لحماية المكتسبات ، كما يتطلب أملا فسيحاً متالقاً مفعماً بتفاؤل حسن يدفع لعمل دائب لا يعرف صاحبه الكلل ولا الملل سعياً لتحقيق الانتصار المتدرج على الصعد كافة وفقا لسنن الله في الحياة والنصر رغم تغول الأعداء آت بإذن الله (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) .
|